ابن قيم الجوزية
205
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها ، وإذا مر بفريسة غيره ، لم يدن منها ، ولو جهده الجوع . ومن علم الأسد أن يخضع للببر « 1 » ويذلّ له إذا اجتمعا حتى ينال منه له ، ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع ، دعا الأسد ، فأجابه إجابة المملوك لمالكه ، ثم أمره ، فربض بين يديه ، فيبول في أذنيه ، فإذا رأت السباع ذلك ، أذعنت له بالطاعة والخضوع . ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع ، أن يستلقي على ظهره ، ويختلس نفسه إلى داخل بدنه ، حتى ينتفخ ، فيظن الظان أنه ميتة ، فيقع عليه ، فيثب على من انقضى عمره منها ، ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف ، فيأخذ منه ، ويضعه على جرحه كالمرهم . ومن علم الدب إذا أصابه كلم ، أن يأتي إلى نبت قد عرفه ، وجهله صاحب الحشائش ، فيتداوى به ، فيبرأ . ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها ، أن تأتي إلى الماء ، فتلد فيه ، لأنها ، دون الحيوانات ، لا تلد إلا قائمة ، لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان ، وهي عالية ، فتخاف أن تسقطه على الأرض ، فينصدع أو ينشق ، فتأتي ماء وسطا تضعه فيه ، يكون كالفراش اللّيّن والوطاء الناعم . ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر . ومن علّم الكلب إذا عاين الظّباء أن يعرف المعتلّ من غيره ، والذكر من الأنثى ، فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشدّ ، وأبعد وثبة ، ويدع الأنثى على
--> ( 1 ) الببر : الفرانق الذي يعادي الأسد . أو ضرب من السباع . أعجمي معرّب .